أحمد زكي صفوت
149
جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة
139 - الجاحظ وابن أبي دواد وكان الجاحظ مختصّا بمحمد بن عبد الملك الزيات ، منحرفا عن أحمد بن أبي دواد ، فلما نكب ابن الزيات « 1 » ، حمل الجاحظ مقيّدا من البصرة ، وفي عنقه سلسلة ، وعليه قميص سمل « 2 » ، فلما دخل على القاضي أحمد قال له : « واللّه ما أعلمك إلا متناسيا للنّعمة ، كفورا للصنيعة ، معدنا للمساويء ، وما فتنتنى باستصلاحى لك ، ولكن الأيام لا تصلح منك ، لفساد طويّتك ، ورداءة دخيلتك ، وسوء اختيارك ، وغالب طباعك » . فقال الجاحظ : « خفّض عليك - أيّدك اللّه - فو اللّه لأن يكون لك الأمر علىّ ، خير من أن يكون لي عليك ، ولأن أسيء وتحسن ، أحسن في الأحدوثة عليك ، من أن أحسن وتسيء ، ولأن تعفو عنى في حال قدرتك ، أجمل بك من الانتقام منى » . فقال أحمد : واللّه ما علمتك إلا كثير تزويق الكلام ، فحلّ عنه الغلّ والقيد ، وأحسن إليه ، وصدّره في المجلس . ( زهر الآداب 2 : 106 ، والمنية والأمل ص 39 )
--> ( 1 ) كان في نفس المتوكل من ابن الزيات شيء كثير ، وذلك أنه لما مات الواثق ( وهو أخو المتوكل ) . أشار ابن الزيات بتولية ولد الواثق ، وأشار ابن أبي دواد بتولية المتوكل ، وقام في ذلك وقعد حتى عممه بيده وألبسه البردة ، وقبله بين عينيه ، وكان المتوكل في أيام الواثق يدخل على ابن الزيات فيتجهمه ويغلظ له في الكلام - يتقرب بذلك إلى الواثق - فحقد المتوكل ذلك عليه ، فلما ولى الخلافة ، أمهله أربعين يوما حتى يطمئن إليه ، ثم قبض عليه وسجنه ، واستصفى أمواله ، وكان ابن الزيات إبان وزارته قد اتخذ تنورا من حديد ، وأطراف مساميره إلى داخل ، وهي قائمة مثل رموس المسال ، يعذب فيه من يستحقون العقوبة وكان إذا قال أحدهم ارحمني أيها الوزير . قال له : الرحمة خور في الطبيعة ، فلما اعتقله المتوكل أمر بادخاله في التنور : وقيده بخمسة عشر رطلا من الحديد ، فقال : يا أمير المؤمنين ارحمني ، فقال له : الرحمة خور في الطبيعة ، وبقي في العذاب أربعين يوما حتى مات سنة 233 ه . ( 2 ) السمل : الخلق من الثياب .